ابن حجر العسقلاني

18

تلخيص الحبير ( ط العلمية )

مرتبة السنة من الكتاب الذي لا يختلف عليه اثنان أن الكتاب يتميز عن السنة لفظاً وإعجازاً وتعبداً بالتلاوة ، لكنها تساويه من حيث الحجية والاستدلال بأنها تبيان الكتاب ؛ فلا تتأخر عنه في هذا المقام . وكيف لا ، وهي وحي مثله لأنها قد نزلت على من لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم وهي المعنية بقوله صلى الله عليه وسلم : " أوتيت القرآن ومثله معه " يعدد ومثله معه مرات عديدة . إن إهدار حجية السنة إهدار للآيات التي نصبت على حجيتها : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } [ سورة الحشر : الآية 7 ] . وخلاصة القول في ذلك : أن كلاًّ منهما معضد للآخر ، مساوٍ له في أنه وحي من عند الله ، وفي قوة الاحتجاج به قال صلى الله عليه وسلم : " نزلت فيكم ما إن تمستكم به لن تضلوا بعده كتاب الله وسنتي ، ولن يفترقا حتى يردا على الحوض " 1 والله أعلم . حجية السنة لا نزاع في أن صحة الاستدلال بحديث مروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقيدة دينية أو حكم شرعي يتوقف على أمرين أساسيين : أولهما : ثبوت أن السنة حجة وأصل من أصول التشريع . ثانيهما : ثبوت ورود هذا الحديث بطريق من طرق الرواية المعتمدة . ثم إن العلماء اختلفوا بالنسبة للأمر الثاني في الطريق التي تعتمد في إثبات صدور الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلافاً كبيراً . فمن الناس من أنكر العمل بكل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم لا من حيث صدورها عنه ، وأن ما صدر ليس بحجة ، ولكن من حيث عدم ثبوت هذا الصدور من طريق يصح الاعتماد عليه والاطمئنان إليها . وهذا الفريق من الناس ذكره السيوطي في كتابه " مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة " 1 . ومنهم من قال : إنما يثبت بالتواتر فقط ورد جميع أخبار الآحاد .

--> 1 انظر بحثنا عن هذا الموضوع في كلامنا على " فتح العلام " للشيخ زكريا الأنصاري . والحديث أخرجه : ابن ماجة مقدمة باب 16 ، والحاكم في " المستدرك " 1 / 91 ، من حديث العرباض بن سارية . 1 ص 3 من الكتاب المذكور ، وانظر بحثنا عن " حجية السنة " في " فتح العلام " للشيخ زكريا الأنصاري .